ابن كثير
337
البداية والنهاية
على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق ، وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة ، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون ، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم ، فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل ، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا كما سيأتي بيانه في موضعه . والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل : يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق ، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن . فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق ، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل : في قلبي شئ من قتل أحمد بن نصر . فقال : يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال : قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا . ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال : ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا . قال المتوكل : فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار . وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال : يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه . فقطعوه إربا إربا . وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين ، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا كما سيأتي بيانه في موضعه . وروى أبو داود في كتاب المسائل عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أحمد بن نصر قال : سألت سفيان بن عيينة " القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، وإن الله يضحك ممن يذكره في الأسواق " . فقال : اروها كما جاءت بلا كيف . وفيها أراد الواثق أن يحج واستعد لذلك فذكر له أن الماء بالطريق قليل فترك الحج عامئذ . وفيها تولى جعفر بن دينار نائب اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس ( 1 ) . وفيها عدا قوم من العامة على بيت المال فأخذوا منه شيئا من الذهب والفضة ، فأخذوا وسجنوا . وفيها ظهر خارجي ( 2 ) ببلاد ربيعة فقاتله نائب الموصل فكسره وانهزم أصحابه . وفيها قدم وصيف الخادم بجماعة من الأكراد نحو من خمسمائة في القيود ، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها ، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين ألف دينار ، وخلع عليه . وفيها قدم خاقان الخادم من بلاد الروم وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم ، وقدم معه جماعة من رؤوس الثغور ، فأمر الواثق بامتحانهم بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فأجابوا إلا أربعة فأمر بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة . وأمر الواثق أيضا بامتحان الأسارى الذين فودوا من أسر الفرنج بالقول بخلق القرآن وأن الله
--> ( 1 ) زيد في الطبري 11 / 18 وابن الأثير 7 / 23 : وألفا راجل . ( 2 ) ذكره الطبري 11 / 18 : محمد بن عمرو الخارجي من بني زيد بن تغلب . وذكره ابن الأثير 7 / 23 : محمد بن عبد الله الخارجي الثعلبي .